|
|
|||||||||||||||||||||
|
|
|
|
|||||||||||||||||||
|
الأخبار والحوارات |
الحركة والدعوة |
||||||||||||||||||||
|
شدة تمضي ثم تأتي شدة... بقلم الدكتور/ محمد حسن نور 20/9/2011م إن الناظر إلى البيت الصومالي ومع كل تأمل لتفاصيل واقعه، تضغط الحسرة على الأنفاس وتزدحم في الذهن كثير من معاني الحسرة وتتراه: من تقليب الكفين، وقرع السن، وضرب الأخماس بالأسداس (ووضع الخد على الكف، على التعبير المحلي)... لهول ما أصاب هذا البيت من الخراب بصروف الدهر وتقلباته وعلى أيدي بعض من أبنائه العصاة الذين جنوا عليه دون جريرة منه، حتى أصبح من الهشاشة ما تؤثره النفخة البسيطة. إن الناظر إلى إنجازات عقلية الإنسان الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين وتصرفه في الكون المسخر له لصالحه من ركوب الفضاء وغوص المحيطات ليدرك الفرق بين الهبوط والرقي، بين الإنسان المنتج المثقل بهموم بني البشر والإنسان الذي لا يحسن الاستفادة من الفتوحات والفيوضات. إن الناظر إلى نعومة الحياة عند الآخرين والتفنن في توفير وسائل الرائحة المختلفة في جميع مناحي الحياة (التنزه، وسائل الاتصال، النقل، الأدوية، الملبس، المأكل، الفرش الوثير، المنزل الفخم، السيارة الفارهة، الطعم اللذيذ، الشراب المستساغ، الادخار...) في حين ينعدم كثير من أهلنا ما يسدون به رمقهم فيموتون جوعا وعطشا ومرضا في القرن الحادي والعشرين على ضفاف الأنهار التي تعج بأنواع من الأسماك وعلى طول البحر أطول ساحل في أفريقيا الكافي في إطعام أفريقيا كلها، ومن الغريب حقا أن البحر الذي نمتلكه ولا ننتفع به لو استأجرناه فقط لكفانا عائده، إنها العقلية المعكوسة فقط هي التي تموت جوعا في أرض البخور والأنهار والمحيط والأنعام. إن الناظر إلى المناظر المؤلمة لأهلينا عبر شاشات العالم ونجدة العالم (العالم الإسلامي) لمساعدة هؤلاء المتضررين بالكوارث الاصطناعية والطبيعية ومحاولة بعض منا وضع عراقيل والحيلولة دون وصول المساعدات إلى مستحقيها ليرى الانحطاط في الأخلاق والسفه في العقول والخراب في الضمير والقسوة في القلوب، كما أنه يجلي أن الطيش الذي خلق هذا الضياع الاستثنائي لا يزال يقظا في نفوس المهندسين. يا للهول! إن الناظر إلى المناظر المؤلمة التي ترد من بؤر الجفاف، والمستمع إلى القصص المروعة التي تشبه وحي الخيال في النسج والحبك في شدة تأثيرها وتسلسل حلقاتها واستحكامها، والناظر إلى الذين يتجرون ويتربحون على أرواح ضحايا الجفاف والساعين إلى إطالة أمد الجفاف إلى هؤلاء الممسوخين الذين يختطفون ويحشرون الضحايا في الزنزانات والعرايا والبنايات المتهدمة ثم يأتون بزبانية وجلادين تراهم من حلبات المسارعة آلوا ألا يدخل على المساكين متبرع إلا بثمن باهض إنما يأكلون في بطونهم نارا، كما أن هذا التصرف المشين يزرع البغضاء بين الناس، فهؤلاء الذين اكتووا بنيران الجفاف يرون الجوع والمرض يفتك بأولادهم فيموتون جماعات وفرادى بينما الأقوياء ينهبون ما جادت به الأيادي المحسنة. إن المستمع إلى الأرقام الخيالية التي تبرعت بها دول ومنظمات وغياب الأثر لتلك الأموال ... مثلا منظمة إنسانية واحدة ناشدت العالم أن يتبرعوا لها (مليار وأربعمائة مليون دولار) لمعالجة آثار الجفاف في الشهور القادمة، ومن المفترض وجود منظمات إنسانية أخرى تطلب مثل هذه الأرقام، إن مثل هذه الأرقام المدهشة لا يعرفها الصوماليون ولا تأتي إلى هنا. معادلة بسيطة لو وزعنا هذه المنيحة عينية على المحتاجين لكانت كالتالي: 1،400،000،000/1400،000أسرة=10،000 دولار، والأسرة الصومالية في الغالب ليست بذات العدد القليل، فلو افترضنا أن متوسط الأسرة الصومالية سبعة أفراد لكانت المعادلة: 7X1400،000=9800000، فردا، معنى ذلك أن مليون شخص من فقراء الصومال التحقوا بركب الأثرياء، وقد يكون ذلك سدس فقراء الصومال استغنوا واشتروا أسهما أو أسسوا شركات فتحولوا من فقراء إلى أغنياء يساهمون في دفع عجلة التنمية، وهذا كله بنداء عاجل لمنظمة إنسانية واحدة في الشهور المقبلة، مصاصو دماء عالميين ومحليين تحالفوا فكانت النتيجة تكريس الجوع وتوسيع دائرته وإطالة أمده. كيف تكتحل بالنوم فوق فراشك الوثير على سرير بأمتار عدة في غرفة هادئة مبخرة بإضاءة خافتة، وتتكئ على أريكة ممتدة في غرفة موسعة مضيئة ومخهزة بوسائل الترفيه، كيف تستمرئ اللذائذ والمطايب والمقبلات والمدبرات (إن صح التعبير)، كيف تستحم بشامبات وصابونات معطرة ضد القشرة، كيف تستروح وتتعطر بالروائح الزكية، كيف تلبس النواعم من اللباس والأحذية، كيف تستأجر السيارات الخاصة وتستقل بالعامة، كيف تبدد المال عبر الهاتف بالضحك والمزاح والنكات، كيف تفوح رائحة الطعام الزكية من مطبخك وكيف تهدر في القمامة أمام بيتك مخلفات الطعام...كيف يهنو لك الطعام والشراب والنوم... في ظل وجود إخوان لك يموتون جوعا وعطشا ومرضا. ألا فليقم كل منا بواجبه من بذل ودعاء وتوجيه وتوبة وقربة إلى الله سبحانه، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكسف السوء... شدة تمضي ثم تأتي شدة تقتفيها شدة هل من رجاء قالها الشاعر إسماعيل صبري إلا أن البون شاسع بين ما استدللنا عليه والمناسبة التي قال فيها إسماعيل، فإسماعيل كان في مناسبة الغزل غزله المفرط في الرقة والعذوبة والعاطفة الجياشة، أما نحن فبمناسبة. الجفاف والفيضانات والحروب والأمراض والغلاء... وعض الزمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف أخي الفاضل، إن لله عبادا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم إلى الخير، وحبب الخير إليهم،هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة، ألا فلنجتهد أن نكون من بينهم في إغاثة الملهوفين من إخواننا، فأفضل الصدقة ما وافق الفاقة. |
|
|||||||||||||||||||
|
اتصل بنا |
|||||||||||||||||||||
|
الإصلاح © 2006-2012 |
|||||||||||||||||||||