|
|
|||||||||||||||||||||
|
|
|
|
|||||||||||||||||||
|
الأخبار والحوارات |
الحركة والدعوة |
||||||||||||||||||||
|
الصبر على البلاء بقلم الأستاذ/ عبد الرحمن محمد حسين 4/2/2012م الحمد لله الرب الرحيم الحكيم بما يقضيه في كل زمان، واللطيف بعباده حين تقلقهم الهموم والأحزان، الذي وعد الصابرين أجرهم بغير عدٍّ ولا حسبان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي صبر على أقدار الله وعلى طاعة الله وعلى إيذاء بني الإنسان، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه, ومن اتبعوا أثرهم بإحسان. الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين، وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} (75) سورة الفرقان. وقال عن أهل الجنة: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ* سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (23-24) سورة الرعد. والصبر ثلاثة أقسام صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه, وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء. فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة ويؤديها كما أمره الله تعالى, وأن لا يتضجر منها أو يتهاون بها أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء, وفضل الله ليس له حد ولا انحصار. وأما الصبر عن معصية الله فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع من المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي, وإن ذلك مما يضر بعاقبة أمره بل ويضر بمجتمعه فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم، فمتى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها خوفًا من علام الغيوب. وأما الصبر على أقدار الله فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأسقام، وأن لا يقابل ذلك بالتسخط والتضجر وفعل الجاهلية المنكر في الإسلام، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه ولرفعه أسباباً من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه. فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه، له الملك وله الحمد، وله الخلق وله الأمر، وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. فالإنسان يصاب بمصيبة في نفسه ومصيبة في أهله ومصيبة في أصحابه ومصيبة في نواح أخرى, فإذا قابل هذه المصائب بالصبر وانتظار الفرج من الله, صارت المصائب تكفيراً لسيئاته ورفعة في درجاته, وقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة في ذلك فقال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (155-157) سورة البقرة. وقال النبي -صلوات الله وسلامه عليه-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)1. عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ –رضي الله عنها- قَالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا مَرِيضَةٌ, فَقَالَ: (أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ؛ فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)2. وقال –عليه الصلاة والسلام-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)3. وقال –صلى الله عليه وسلم-: (صداع المؤمن أو شوكة يشاكها، أو شيء يؤذيه, يرفعه الله بها يوم القيامة درجة، ويكفر بها عنه ذنوبه)4. والصداع وجع الرأس. وعنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ)5. ويريد بحبيبتيه عينيه. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ) 6. وقال للنساء: (لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ إِلَّا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ), فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوْ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَوْ اثْنَيْنِ) 7. فهذه الأحاديث وما ورد بمعناها بشرى للمؤمن يحتسب من أجلها المصائب التي يصيبه الله بها فيصبر عليها ويحتسب ثوابها عند الله، ويعلم أن ذلك من عند الله تعالى، وأن سببه من نفسه كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (30) سورة الشورى8. فاتقوا الله –عباد الله- وتفكروا في حكم المولى في تصريف الأمور، وأنه المحمود على ذلك، واعلموا أن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير، وأن هذه الشدة واللأواء لا بد أن يفرجها من هو على كل شيء قدير، ولا بد أن يبدل الشدة بضدها والعسر بالتيسير، بذلك وعد وهو الصادق السميع البصير، فعودوا على أنفسكم بالاعتراف بمعاصيكم وعيوبكم، وتوبوا إليه توبة نصوحاً من جميع ذنوبكم، وقوموا بما أمركم الله به، من الصبر عند المصائب،واحتسبوا الأجر والثواب، إذا أنابتكم المكاره والنوائب، وكونوا في أوقاتكم كلها خاضعين لربكم متضرعين، وفي كل أحوالكم سائلين له كشف ما بكم ولكرمه مستعرضين، ووجهوا قلوبكم إلى من بيده خزائن الرحمة والأرزاق، وانتظروا الفرج وزوال الشدة من الرؤوف الرحيم الخلاق، فإن أفضل العبادة انتظار الفرج من الرحيم الرزاق، وإياكم أن يستولي على قلوبكم القنوط واليأس، أو تتفوهوا بالكلام الدال على التضجر والتسخط والإبلاس، فإن المؤمن لا يزال يسأل ربه ويطمع في فضله ويرجوه، ولا يزال مفتقرا إليه في جلب المنافع، ودفع المضار من جميع الوجوه، إن أصابته السراء كان في مقدمة الشاكرين، وإن نالته الضراء فهو من الصابرين، يعلم أنه لا رب له غير الله يقصده ويدعوه، ولا إله له سواه يؤمله ويرجوه، ليس له عن باب مولاه تحول ولا انصراف ولا لقلبه تلفت إلى غيره، ولا تعلق ولا انحراف، لا تخرجه السراء والنعم إلى الطغيان والبطر، ولا يكون هلوعاً عند مس الضراء متسخطاً للقضاء والقدر، يتمشى مع الأقدار السارة والمحزنة بطمأنينة وسكون، ويهدي الله لها قلبه لعلمه أنها تقدير من يقول للشيء كن فيكون، فهذا عبد موفق قد ربح, وقام بعبودية ربه في جميع التقلبات، وقد نال السعادتين -راحة البال وحسن الحال والمآل- واكتسب الخيرات: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (11) سورة التغابن9. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر، وإذا أذنب استغفر، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم. |
|
|||||||||||||||||||
|
إتصل بنا |
|||||||||||||||||||||
|
الإصلاح © 2006-2011 |
|||||||||||||||||||||