|

الإسراء والمعراج
الشيخ عبد الله سيخ
30/6/2011م
﴿
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآَتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ
دُونِي
وَكِيلًا﴾
(٢) .
تعيش الأمة
الإسلامية في هذه الأيام في ذكري حدث من أهم أحداث تاريخ الدعوة الإسلامية ،
حدث وقع في صدر التاريخ الإسلامي ، ولكن دروسه ودلالاته لاتزال تنير الطريق
للدعوة الإسلامية ودعاتها ، وخاصة تحمل هذه الحادثة دروسا ودلالات لدعاة هذا
العصر حيث أن ارتباط أكبر دلالاتها بحياة المسلمين قد قصد محوه أعداء الإسلام
هذه الحاصية هي الإسراء
فالإسراء يرتبط
ارتباطا وثيقا بطبيعة هذه الدين الإسلامي خاتم أديان السماء ، وهذه الطبيعة هي
عالمية هذه الدعوة وهيمنتها على الأديان السماوية السابقة ، ومهمة المسلمين في
هذه البقعة هي الخلافة في الأرض ، فخلافة الله فى الأرض هي عبادته وحده وعدم
الشرك به ، اتباعا لأمره وانتهاء عن نواهيه.
قال الله تعالى: ﴿
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا
نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ص26.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا
فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
،
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا
مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ ﴾ الروم 30-32 .
أما فطرة الله التي
فطر الناس عليها والدين أراده الله لعباده فهما الإسلام له سبحانه وعدم الشرك
به وطاعته سبحانه فيما أمر به والإنتهاء عما نهى عنه
يقول الله تعالى : ﴿
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ
الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن
يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ آل عمران19.
﴿ وَمَن يَبْتَغِ
غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران85.
وقد قص القرآن مسيرة
الإسلام:
فقال الله تعالى :
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ
إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
﴾ البقرة213.
﴿ وَضَرَبَ اللّهُ
مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً
مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ
مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾
النحل112-113.
وقد أجمل الله
تعالى وحدة الرسالات السماوية فى قاعدة كلية فقال الله تعالى عن وحدة الدين : ﴿
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا
تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي
إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ الشورى13.
وعن وحدة الرسل : ﴿
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ،
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ ﴾ المؤمنون 52-53 .
وعن وحدة المؤمنين:
يقول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ البقرة62.
وعن وحدة المضمون :
يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ
فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ النحل36.
كما خاطب القرآن
النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمين بوحدانية الرسالة فقال:
﴿ قُلْ آَمَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا
أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَنْ
يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران 84-85.
عن أبي هريرة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ، ديننا
واحد ) ، كما ثبت في صحيح البخاري 3442 _ 2365 ، يعني بذلك إخوة أمهاتهم
شتى ودينهم واحد وهوالتوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب
أنزله، كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
الأنبياء25 .ابن كثير ج2 ص67.
لماذا جاءت الرسالة
المحمدية خاتمة الرسالات ؟
كانت رسالات
الأنبياء السابقين للرسالة المحمدية رسالات مرحلية قومية خاصة بأقوام محددة
لاتتجاوز إلى غيرهم، فلما تطاول العهد على أهل الكتاب حدثت تحولات بكتبهم,
إذ لم يتكفل الله
بحفظ كتبهم لذلك أخذ الله سبحانه العهد عليهم بأن يتبعوا ما يلحق بهم من أنبياء
يصححون لهم مااندثر أو تغير من كتبهم .
يقول الله تعالى : ﴿
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ
وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ
شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي
ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ ﴾
المائدة44.
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ
النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ
رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ
أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا
قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ آل عمران81.
أصابت سنة النسيان
أهل الكتاب وغمرهم حب الدنيا, فنسوا وصية الله للرسل والأنبياء, فضلوا بعد هدى
واختلفوا بعد توحد وزاغت الأبصار وتاهت الرؤى بعد إبانة
يقول الله تعالي: ﴿
اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً
وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
التوبة31.
﴿ فَخَلَفَ مِن
بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى
اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ
وَدَرَسُواْ مَا
فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
﴾ الأعراف169.
أما رسالة الإسلام
فقد تكفل الله سبحانه بحفظها
يقول الله تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر9.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ
عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت41-42 .
﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم
مُّكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ
الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ الحاقة 48-52.
ومن ثم جاءت الرسالة
الخاتمة والشاملة والعالمية رحمة للعالمين
يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾
الأنبياء107.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً
مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم
مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ المائدة15 .
ورسالة الرسول محمد
صلى الله عليه وسلم هي دعوة سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام ربنا
تبارك وتعالى, ليبعث رسولا من أرض الله الحرام حيث المسجد الحرام ليستمر النور
في هذه الأرض المباركة ، كما أن رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هي بشرى
سيدنا عيسى عليه السلام قال الله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا
بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي
اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ
مُّبِينٌ ﴾ الصف 6.
كما أن علماء أهل
الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلي الله عليه وسلم
قال الله تعالى : ﴿
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ، الْحَقَّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾
البقرة 146- 147.
وعن ابن كثير كتب (
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلي الله عليه
وسلم كما يعرف أحدهم ولده ) ابن كثير ج1ص195.
واكتمال رسالة
الإسلام ببعثة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يعني أن رسالة محمد صلى
الله عليه وسلم قد أصبحت المرجع والإطار الذى يرجع إليه في أي قضية إيمانية أو
شرعية أو إنسانية ولم تعد هناك بعدها للرسالات السماوية السابقة مرجعية يعمل
بها .
قال الله تعالى : ﴿
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ النساء65.
﴿مَّا كَانَ
مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما﴾ الأحزاب40.
﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ
خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ النساء170.
﴿أَفَحَسِبَ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا
أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ الكهف102.
وباكتمال رسالات
الإسلام برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن فهم نسخ الإسلام للديانات
السابقة له إذ لم تعد الرسالات السابقة سارية المفعول بعد نزول الوحي على
رسولنا الكريم ، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ التوبة33.
﴿وَأَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ
وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ
إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ ﴾ المائدة48.
(وأما الشرائع
المختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيئ في هذه الشريعة حراما ثم يحل في
الشريعة الأخرى .........حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمد صلى الله
عليه وسلم الذي ابتعثه إلى الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم ) ابن
كثيرج2ص67
شهادة أمة محمد صلى
الله عليه وسلم على ما سبقتها من الأمم .
يقول الله
تعالى:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً
إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ البقرة143.
﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ
إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الأعراف2.
ولا تقوم الشهادة إلا بالتوحيد الخالص ، يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا
إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ البينة5.
﴿ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ
الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ الحج31.
عناد أهل الكتاب
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ
اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم
مُّعْرِضُونَ ﴾ آل عمران23.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ
وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ﴾ النساء44.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ
الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ النساء51.
فضل الله المسلمين
على الكفار وغمرهم بالنعم لإسلامهم، كما يحرمون من النعم بفسقهم وظلمهم ، قال
الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ النحل97.
﴿ أَفَنَجْعَلُ
الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ القلم35-36.
﴿ يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي
فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ البقرة47.
وبالردة عن الإسلام
امتنع وعد الله للمؤمنين من بني إسرائيل
قال الله تعالى: ﴿
يَا بَنِي إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين
وآمنوا بماأنزلت مصدقا لمامعكم ولاتكونوا أول كافر به ولاتشتروا بآياتي ثمنا
قليلا﴾ البقرة الآيات 40-41.
فبماذا فضلهم الله
سبحانه ؟ فضلهم الله تعالى بأجل نعمة ألا وهي الإسلام ، قال الله تعالى: ﴿
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ
أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ﴾ الإسراء2.
فلما كفروا، أي
اتخذوا من دونه وكلاء: قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا
إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا
الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الجمعة6-7.
فالوعد والتفضيل كان
بسبب إسلامهم وليس لأجناسهم خاصة إذ الناس كلهم خلق الله ولا محاباة لجنس دون
آخر ، قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء
اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم
بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ
الْمَصِيرُ ﴾ المائدة18.
﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ
يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
يونس44.
وبالمعاصي تحل
المصائب بالمسلمين
﴿ أَوَلَمَّا
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا
قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
آل عمران165.
و تأتي قاعدة كلية
ألا وهي حرمان الكافرين من الهدي الإلهي ، قال الله تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم
مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ
بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا
بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ النساء155.
﴿ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَفْقَهُونَ ﴾ المنافقون3.
﴿ وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يونس13.
تحريم المقدسات
بالردة عن الإسلام
ولما كانت المقدسات
مرتبطة بالإيمان منبتة عن الكفر لاتجوز لمن لايؤمن بالإسلام ,
فقد حرمت المقدسات
بذلك على الكفار فلا يجوز للكافر أن يحوز مساجد الله تعالى وإن كان من أهل
الكتاب كما لا يجوز أن يحوزها المشركون أو يلحدوا فيها يقول الله تعالى : ﴿
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ
مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
التوبة17.
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ
الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ
أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ التوبة18.
﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ
اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ
أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ الأنفال34.
فبسبب الكفر منع
الكفار من الحج إلى بيت الله الحرام، بل من الاقتراب منه
نزع الله ملكية
المسجد الحرام من أيدي مشركي مكة عند الفتح مع أنهم كانوا يحوزونها ولآلاف
السنين، يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن
فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ التوبة28.
﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً
فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ الأنفال35.
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا
عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية وكان نزولها في سنة تسع
ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر رضي الله عنهما
عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت
عريان فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا.
عاد بيت الله الحرام إلى المؤمنين أصحاب الحق الإلهي فى المقدسات الإسلامية ،
فلو كانت شرعية تملك المقدسات تكون بمجرد الحيازة، لما كان من حق الإسلام أن
ينزع منهم الحيازة والطواف في قوله صلى الله عليه وسلم: " ألاَ يطوف بالبيت
مشرك أو عريان" |