نماذج في الثبات على الحق

0

الثبات لغة: ثبت الشيء يثبت ثباتًا وثبوتًا فهو ثابت، وثبَت، وثبْت، ورجل ثبت: متثبت في أموره، وثبت الرجل: صار ثبتًا.

والثبات: الاستقامة على الهدى، والتمسك بالتقى، وإلجام النفس، وقسرها على سلوك طريق الحق والخير، وعدم الالتفات إلى صوارف الهوى والشيطان، ونوازع النفس والطغيان، مع سرعة الأوبة والتوبة حال ملابسة الإثم أو الركون إلى الدنيا.

جوانب الثبات:

للثبات جوانب متعددة، منها:

1 – الثبات على دين الله تعالى:
قول يعقوب -عليه الصلاة والسلام- لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132)، وهذا هو رأس المال الذي لا يحتمل الخسارة، وهو وصية الأولين والآخرين من الأنبياء والصالحين.

2ـ الثبات على الالتزام بدين الله تعالى:
وهذا جانب مهم يدل على سلامة إيمان الشخص، وصحة تصوره لهذه الدار وللدار الآخرة، أما إن كان له في كل وقتٍ حالُُ، وفي كل يوم تفلت ومآب، فهذا يحتاج إلى مراجعة أمره، والاهتمام بشأنه، ويكفي أمثال هؤلاء نفور الناس منهم، وعدم الاعتداد بشيء مما يظهر عليهم من الصلاح والالتزام؛ لأنه سحابة صيف لا تلبث أن تزول. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ موضحًا صعوبة الثبات على الدين في هذا الزمان، الذي نعيشه وضرورة المجاهدة والمدافعة للنفس والعدو: “الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر”، وهذا تصوير فريد لما يجري اليوم في دنيا الناس من تفلت من شعائر الدين وواجباته، ومن مجاهدة آخرين للبقاء على ما كان عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، والسلف الصالح.

3ـ الثبات على المبدأ:
وهذا قد يتساهل في شأنه بعض الناس فيبرم ميثاقًا وعهدًا، ثم يسوغ له نقضه بحجة أنه ليس بواجب شرعي، ومثال هذا أن يتفق أشخاص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى دين الله تعالى، ثم يتنصل واحد أو أكثر من هذا الاتفاق، فإذا سلم ـ جدلاً وتنزلاً ـ أن هذا العهد والاتفاق ليس واجبًا شرعيًا، أفلا يكون ترك ذلك العهد والميثاق من نقص المروءة، والتراجع عن المعروف؟ وللشرع المطهر آداب وواجبات يمكن أن يندرج الحفاظ على مثل هذه المواثيق تحتها مثل المروءة، والفتوة، والحفاظ على العهد، والوفاء به، والتعاون على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن ترك شيئًا من ذلك فقد أخلّ بآداب الشرع المطهر، وأخلّ أيضًا بالآداب الاجتماعية المتعارف عليها.

تقول العرب: “لفلان ذمام لا يبليه الزمان، ولا كُرور الأيام، ولا مرور الأعوام، وعهد لا يغيره تنقل الزمان وتكونه، ولا علل الدهر وحوادثه”.

وتذم العرب من كان ليس ثابتًا فتقول: “فلان لا ثبات لوده، ولا دوام لعهده، ولا بقاء لوصله، ولا وفاء لعقده”؛ فالتراجع عن العهود والمواثيق عمل قبيح، ولا شك يدل على تذبذب فاعله، وعدم ثباته، ويدل ـ أيضًا ـ على سوء في التربية الإسلامية الصحيحة، والنظرة المتكاملة للكون والحياة.

وعلى العاقل أن ينظر إلى حال الثابتين على مبادئهم- سواء أكانوا من أهل الحق أم كانوا من أهل الباطل والعقائد الضالة- فإنهم يصلون إلى أهدافهم، ولو بعد حين، لكن بعد ثبات عظيم، وتضحيات كثيرة.

ألم ترَ إلى الأحزاب الشيوعية كيف ثبتت على باطلها، حتى تولت الحكم في بلاد كثيرة في أوروبا وآسيا وغيرها، وكذلك أهل الحق يصلون إلى مرادهم من زمان الرسل والأنبياء إلى يومنا هذا، لكن لابد من ثبات عظيم وصبر جميل.

قال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:104)، الله أكبر، إننا والله نرجو من الله ما لا يرجو الشيوعيون، ولا العلمانيون، ولا الرأسماليون، ولا الإباحيون، وكل أولئك يصبرون، ويثبتون على باطلهم، أفلا نصبر نحن ونثبت على حقنا، وعقيدتنا الصافية الصادقة؟ بلى إن شاء الله تعالى.

أهمية الثبات:

الثبات معنى جميل عظيم، له في نفس الإنسان الثابت، وفيمن حوله مؤثرات مهمة تفعل فعلها وتؤثر أثرها، وفيه جوانب من الأهمية في تربية الفرد والمجتمع تتضح في الآتي:

أولاً: الثبات دلالة على سلامة المنهج، وداعية إلى الثقة به، لكل مسلم نهج ينهجه وطريق يسلكه يوصله إلى دار القرار والعزة أو الهوان والذل، فإن كان في نهجه ذلك دخن وفساد ظهر ذلك في ثباته، فهو متقلب دومًا لا يكاد يثبت على أمر، أو يدوم على شأن، بل تجده كثير الوساوس، متعدد المطامع، دائم الشكوى، سريع الملل، فلا يحصل بعد ذلك إلا على شيء يسير من مراده، وتطول به السنون، وهو لم يصنع شيئًا ذا بال، وما ذلك إلا لكثرة تقلبه وإضاعة أوقاته، وحال مثل هذا الشخص دال على فساد منهجه، وسوء طريقته، إذ لو استقام منهجه على طريقة ثابتة، لاستقام حاله وارتفع شأنه. وتقلبه هذا دال على سوء ترتبيته الإسلامية، وقد يدل على ضعف إيمانه وقلة يقينه، وقد يتطور الأمر إلى أن ينافق المرء، ولا حول ولا قوة إلى بالله.

وقد يدّعي أشخاص أنهم أصحاب منهج صحيح فلا يلبثون أن ينقلبوا أو يضعف ثباتهم أمام المغريات والأهواء والشهوات.

ثانيًا: الثبات مرآة لشخصية المرء، ومطمئن لمن حوله، يثق الناس في الثابت الراسخ، ويعظم أثره فيهم، حيث يشيع فيهم الطمأنينة إلى حاله والركون إليه، بينما القلِق المتقلب قلما يُركن إليه ويوثق به، وهو عامل خوف واضطراب فيمن حوله من الناس.

ثالثًا: الثبات ضريبة الطريق إلى المجد والرفعة في الدنيا والآخرة، كل عمل عظيم يحتاج تحقيقه إلى ثبات وقوة في التناول والأخذ، وهذا ليس مقتصرًا على المسلمين فقط، بل إن كل شعوب الأرض لا تصل إلى المجد والرفعة والسناء إلا بثبات عظيم، ومن اطّلع على تاريخ الغرب في زمان الثورة الفرنسية، والثورة الصناعية وثورة البخار علِم قدر ثباتهم وتضحياتهم.

رابعًا: الثبات طريق لتحقيق الأهداف، الثبات عامل مهم في الأثر الذي يتركه الإنسان في هذه الحياة، وهو الموصل ـ بإذن الله ـ إلى ما يريده المرء ويطلبه؛ فالمُريد تغيير حركة التاريخ، والراغب تعبيد الناس لرب العالمين، والعامل على رفعة دينه وإعلاء رايته لا غنىً له عن الثبات والرسوخ، وليس له ـ بغير الثبات ـ من مراده ذلك إلا الأوهام والأماني.

نماذج في الثبات:

1ـ عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي:

    وهو صحابي كريم، ثبت في موقف عظيم، قلّ أن يثبت فيه إلا المُوفقون، ذكر ابن عساكر تفصيلاً لقصته فيه فائدة فقال: “وجَّه عمر بن الخطاب جيشًا إلى الروم، وفيه رجل يقال له عبد الله بن حذافة ـ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تتنصّر وأُشركك في ملكي وسلطاني؟، قال له عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع مملكة العرب على أن أرجع عن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- طرفة عين ما فعلت. قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك. قال: فأمر به فصُلب، وقال: للرماة: ارموه قريبًا من يديه، قريبًا من رجليه، وهو يعرض عليه وهو يأبى، ثم أمر به فأُنزل، ثم دعا بقدر فصُب فيها ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فأُلقي فيها، فلما ذهب به بكى، فقيل له: إنه قد بكى، فظن أنه جزع، فقال: ردوه. فعرض عليه النصرانية فأبى، قال: فما أبكاك إذًا؟ قال: أبكاني أني إن قُتلت فهي نفس واحدة تُلقى في هذا القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعر جسدي أنفس تُلقى هكذا في الله. فقال له: قبِّل رأسي وأنا أخلّي عنك. فقال: وعن جميع أسرى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبِّل رأسه يخلِّي عني، وعن أسرى المسلمين لا أبالي، فدنا منه فقبل رأسه، قال: فدفع إليه الأسرى، فقدِم بهم على عمر، فأُخبر عمر بخبره، فقال حقُُّ على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأن أبدأ، فقام عمر فقبل رأسه. فكان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمازحون عبد الله فيقولون: قبلت رأس عِلْجٍ، فيقول لهم، أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين”.  وفي حديث آخر قال الملك: اتركوه واجعلوه في بيت، ومعه لحم خنزير مشوي، وخمر وممزوج، فلم يأكل ولم يشرب، وأشفقوا أن يموت، فقال: أما إن الله ـ عز وجل ـ قد كان أحله لي، ولكن لم أكن لأُشمِّتك بالإسلام”.

2ـ ولما تمكن العبيديون الملاحدة من بلاد المغرب ومصر فعلوا الأفاعيل في أهلها، لكن نفرًا من الصادقين ثبتوا، واحتسبوا، وانظر إلى ما يذكره الإمام الذهبي عن حال الإمام القدوة الشهيد “أبي بكر محمد بن أحمد الرميلي”، والمعروف بابن النابلسي حيث قال له “جوهر الصقلي” قائد العبيديين: “بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهمًا وفينا تسعة. قال: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيّرتم الملة وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية، فشوهه ثم ضربه، ثم أمر يهوديًا فسلخه وحُشيَ تبنًا، وصُلب”.

3ـ وذكر الإمام الذهبي أن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه، أربعة آلاف من عالم وعابد؛ ليردهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت.

4ـ وأما التاريخ الحديث فيزخر ويفخر بمئات من المجاهدين المسلمين الصابرين الثابتين على الحق حتى قضوا نحبهم وما بدلوا ولا غيروا، والحديث عنهم يطول ولكن حسبي أن أورد ثلاثة أمثلة، أما الأول:

    1ـ أحمد ساموري توري:
    هذا بطل أفريقي اعتنق الإسلام عن يقظة وإيمان، ثم مضى ينشر عقيدته الخالدة في القبائل الوثنية في جنوب السنغال وجامبيا، وعلى شواطئ نهر النيجر الأعلى وروافده، حتى ألّف بحجته الباهرة ودليله المقنع أمة إسلامية مؤمنة تهيم بالإسلام عن دراسة واقتناع.
    كافح الإمام في ميدان الدعوة حتى انتصر، ثم حمل السيف لينازل المستعمرين الفرنسيين حين أتوا إلى بلادهم يحملون الصواعق والقذائف، ويسلطون على الأبرياء الآمنين كوارث العدوان وفظائع الإرهاب، وجعل الإمام الأعزل يجمع الصفوف ويلهب العزائم، ويجمع الذخيرة مما ينهبه من سلاح المعتدين، حتى كتب في سجل النضال صحيفة ناصعة تعبق بأريج العزة، وتضيء بنور الإيمان.
    لقد التحمت كتائب البطل الباسل بشراذم الفرنسيين في كفاح مرير ضاق به القائد الفرنسي “أرسيناد”، ومرت ست سنوات ولم يتقدم شبرًا واحدًا في ميدانه، ومن قبله قاسى الكولونيل “برني دي بوري” كُؤوس الهزيمة مترعة قاتلة، ورأى المعتدون أن القتال وحده لا يقضي إلى نصر سريع، فأعملوا الحيلة حتى اختطفوا نجل الإمام ليفُتّوا بذلك في عضد أبيه، ولكنه قال لمن ساوموه على افتدائه: إن ولدي لن يزيد عن مسلم عادي كهؤلاء الذين تحصدون أرواحهم دون حياء، فإذا كنتم تتوهمون أن اعتقاله سينهي الحرب فقد أسأتم التقدير، ثم واصل جهاده مستميتًا في الكفاح، ويئس الفرنسيون من النصر السريع فاحتالوا مرة ثانية على اكتسابه، وعمدوا إلى النجل الأسير فاستمالوه بلذائذ النعيم، وطرائف الرفاهية، وبعثوا به إلى باريس ليرى البهجة والنضارة، واللذة والعربدة فينتشي، بما زين الشيطان من إثم، ويستكين بما أبدع الباطل من خداع، حتى إذا قطع الشوط إلى نهايته ساوموه على مخالفة أبيه والعمل على إنهاء الحرب ليصبح الوالد ملكًا مشمولاً بالحماية الأجنبية، ثم ليكون الابن من بعده ولي العهد وحليف الاستعمار، ورجع الشاب المغرور متحمسًا للخيانة النكراء، وبدأ باستمالة الضعفاء لوجهته، فأدرك الإمام حقيقة ما كان، والتهبت في صدره عاطفة الأبوة ذات الحنان والسماح، عاطفة الإسلام ذات القمع للباطل والانتقام للحق، فآثر دينه ووطنه، ثم حكم على ابنه بالإعدام السريع جزاء خيانته ومروقه، وبادر فأوقع الجزاء على رؤوس الأشهاد في ثقة وإيمان.
    

    2ـ وأما المثال الثاني فهو: الشيخ المجاهد عمر المختار، الذي تربى في الزوايا السنوسية في ليبيا، ثم وقف نفسه لنصرة الإسلام والذبّ عن حياضه، خاصة بعد دخول الإيطاليين ليبيا سنة 1911م، حيث جاهد الشيخ الكفار جهادًا عظيمًا قرابة عشرين سنة لم يتوان ولم يتذبذب، بل ثبت ثباتًا عظيمًا مشرفًا، حيث إذا أُلقى القبض عليه سنة 1931م أظهر ثباتًا عظيمًا، لكن ثباته كان مضرب الأمثال، ولننظر كيف قُبِض عليه وما جرى بينه وبين الحاكم العسكري الإيطالي في ليبيا.
    “ذهب ـ كعادته ـ في نفر قليل يُقدر بأربعين فارسًا يستكشف العدو، ويتفقد مراكز إخوانه المجاهدين، ومرَّ بوادٍ صعب المسالك كثير الغابات، وعلمت به القوات الإيطالية بواسطة جواسيسها!، فأمرت بتطويق الوادي، فما شعر المختار ومن معه إلا وهم وسط العدو، ودارت معركة، وعلى الرغم من كثرة عدد العدو واحتياطاته تمكن المجاهدون من خرق صفوفه، ففاجأتهم قوة إيطالية أخرى، وكانت ذخيرتهم على وشك النفاذ، فاشتبكوا في معركة جديدة قُتل فيها جميع من بقي مع المختار، وقُتل حصانه أيضًا ووقع عليه، فتمكن من التخلص من تحته، وظل يقاتل وحده إلى أن جرح في يده، ثم تكاثر عليه الأعداء، وغُلب على أمره، وأسروه وهم لا يعرفون من هو، ثم عُرف وأرسل إلى سوسة، ومنها أُركب الطراد “أوسيني” إلى بني غازي حيث أُودع السجن، وعزا المختار في حديثه عند قدومه إلى بنغازي سبب وقوعه في الأسر إلى نفاذ ذخيرته، وأكد للمتصرف الإيطالي أن وقوعه في الأسر لا يضعف من حدة المقاومة إذ أنه اتخذ التدابير ما يكفل انتقال القيادة من بعده إلى غيره.
    وختم المختار قوله بكلمات خالدات لابد أن نلقنها لأبنائنا جيلاً بعد جيل؛ لتكون مثلهم الأعلى في التوكل على الله، والثبات على الحق فقال: “إن القبض عليّ ووقوعي في قبضة الطليان إنما حدث؛ تنفيذًا لإرادة المولى عز وجل، وإن كنت قد أصبحت الآن أسيرًا بأيدي الحكومة فالله وحده يتولى أمري”، ثم أشار إلى الطليان وقال: “وأما أنتم فلكم الآن -وقد أخذتموني- أن تفعلوا بي ما تشاءون، وليكن معلومًا أني ما كنت في يوم من الأيام لأسلم لكم طوعًا”.
    وحدث مرة أن خرج إلى القاهرة من برقة لغرض من أغراض الجهاد، فاجتمع إليه مشايخ من قبيلة في مصر- في قلوبهم ضعف العزيمة ويأس الشيوخ- وجعلوا يحاولون أن يثنوه عن عزمه وجهاده بسبب بلوغه سن الشيخوخة، فغضب وقال لهم: “إن كل من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيرًا لي، لأن ما أسير فيه إنما هو طريق الخير، ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكه، وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي”.
    ونختم بموقف جميل له أثناء التحقيق معه، إذ خاطبه “جرازياني”، قائد الحملة الصليبية الإيطالية في ليبيا وكان لعمر المختار آنذاك 73 سنة:

    ـ هل سمعت ما ينُسب إليك من تهم خطيرة؟
    ـ نعم، وسأجيب عنها كلها واحدة واحدة مهما كبرت وخطرت.
    وانطلق المختار يقص مأساة ليبيا منذ الاحتلال، والمفاوضات التي دعاه إليها رجال الاحتلال، والوعود الكاذبة والنكث بها، وتكلم عن الظلم والطغيان والاغتصاب وانتهاك الحرمات وتحقير المقدسات..
    ـ هل أنت قائد العصيان ضد إيطاليا؟
    ـ نعم، أنا هو.
    ـ هل حاربت الدولة الإيطالية؟
    ـ نعم حاربتها.
    ـ إني أكرر السؤال عليك فانتبه لنتائجه: هل حاربت الدولة الإيطالية، فتناولت السلاح في وجه قواتها، واشتركت في قتاله؟
    ـ نعم، نعم، نعم.
    ـ كم هو عدد المعارك التي اشتركت فيها من سنة: 1911 حتى اليوم؟
    ـ لا أذكر عددها لأنها كثيرة لا تحصى.
    ـ منذ كم سنة توليتَ قيادة العصيان؟
    ـ منذ عشر سنوات.
    وعلى هذا المنوال سارت المحاكمة كلها. وكان “جرازياني” قد عرض عليه عفوًا شاملاً مقابل أن يكتب للمجاهدين يدعوهم إلى وقف القتال وتسيلم أنفسهم وأسلحتهم للحكومة، فرفض المختار قائلاً “إن هذا العمل لا يُرضي ضميري وديني”.  وأُعدمَ، ثابتًا راسخًا مؤمنًا، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

    3ـ وأما المثال الثالث فهو سيد قطب ـ رحمه الله ـ فقد لحق بربه شاهدًا على الطغيان، حيث حاول الظالمون “محاولات جاهدة يائسة للحصول من “سيد قطب” على موقف تراجع، أو كلمة اعتذار، أو عبارة اعتراف مما نُسب إليه، أو صيغة تأييد… وآثر أن يذهب إلى ربه شهيدًا عزيزًا كريمًا، اختار الدار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، وأطلق عبارات تقطر عزة وكرامة، وإيمانًا ويقينًا واستعلاءً، منها قوله: “إن حُوكمت بحقٍ فأنا أرضى حكم الحق، وإن حُوكمت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل”.
    وقوله: “إن أصبع السبابة الذي يدين لله بالوحدانية في الصلاة؛ ليرفض أن يكتب حرفًا يُقر به حكم طاغية”.

ألمصدر: إخوان أولين

Leave A Reply

Your email address will not be published.