مناصرة المنكوبين واجب إسلامي وإنساني

0

بقلم/ الدكتور عبدالله أبوبكر شيخ حسين

إن حياة الناس تتأرجح بين الحلو والمُر ،والفرح والحُزن ،والزيادة والنقصان ،وكل ذلك ابتلاء وتمحيص من الله ،وعلى قدر البلاء يكون الأجر عندالله ،ومن ابتلاه الله في شيء من نفسه أوولده أوماله فصبر واحتسب فإن الله قد وعده بأجر عظيم وثوابجزيل،ولايصبر على البلاء والامتحان إلا العظماء عندالله ؛لأن الصبرمن معالم العظمة وشارات الكمال ، ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها ؛ولذلك كان “الصبور”من أسماء الله الحسنى ، فهو يمهل ولا يتعجل ويبطيء بالعقاب .

والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارغة ، فإن أثقال الحياة لايطيقها المهازيل،…. والحياة لاينهض برسالتها الكبرى ، ولاينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة، وأبطال صابرون . ومن ثَم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئا لما أوتوا من مواهب ، ولما أدوا من أعمال.

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أشد بلاء ؟ قال :”الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الناس على قدر دينهم ، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه ، وإن الرجل ليصيبه البلاء  حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة

ولقد ذكر الله في آيات من القرآن كيف واجه الأنبياء أنواعا من الابتلاءات بالتضرع إلى الله والتوجه إليه بالدعاء ، ومن ذلك ما ساق الله في سورة الأنبياء ، فقال تعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ الأنبياء – الآية 76

 وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَالأنبياء – الآية 84

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ الأنبياء – الآيات 87، 88

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَالأنبياء – الآية 89،90

فهذه الآيات تربي المسلمين على سلوكهم نحو أقدار الله من الابتلاءات فترشد  إلى أن يتوجه المسلم إلى الله في كل مايصيبه من مصائب وابتلاءات ، بعد أخذ الأسباب والحيطة .وبين الله ما للصابرين من جزاء فقال تعالى  وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون *

وإذا أصابت مسلم مصيبة يتوجب على إخوانه المسلمين الآخرين أن يقوموا بواجب الأخوة بالمواساة والمؤازرة وتقديم يد العون من منطلق أن الإسلام دين يقوم على البذل والعطاء ، ويذم الشح والامساك ، فحبب إلى المسلمين أن تكون نفوسهم سخية ،وأيديهم معطاء ، وبالمسارعة إلى الاحسان وصرف مايملكون في وجوه البر والاحسان، وأن يكون شغلهم الشاغل تقديم الخير إلى المحتاجين ، وعلى المسلم أن يقتطع من ثروته ما يسعف به المنكوبين ويريح المتعبين  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ياابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولاتلام على كفاف ، وأبدأ بمن تعول ، واليدالعليا خيرمن اليد السفلى .

ودعوة الإسلام إلى الجود والإنفاق مستفيضة مطّردة ، وحربه على البخل موصولة متّقدة ففي الحديث “السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار . والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ن  ، قريب من النار ، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل .”

   والفقر المدقع والجوع الشديد إذا لصقا بالإنسان أحرجاه،وهبطا به دون المكانة التي كتب الله للبشر،وإنها لتوشك أن تحرمه الكرامة التي فضل الله بها الإنسان على سائر الخلق ، فإذا ألصق الفقر والجوع الإنسان بالأرض حتى يصبح مشقوق الثياب تكاد فتوقه تكشف سوءته، أو حافي الأقدام أبلى أديم الأرض كعوبه وأصابعه، أوجوعان يمد عينيه إلى شتى الأطعمة ، ثم يرده الحرمان وهو حسير .

فالمسلمون الذين يرون هذه الصورة الفاحشة ثم لايكترثون بها ليسوا بشرا ، وليسو مؤمنين ؛ لأن بين البشر عامة رحم يجب أن توصل وألاتمزقها الفاقة ، وقضية الإيمان أن يرهب المرء ربه في أمثال هؤلاء البائسين . ولقد حدثت صورة مشابهة لما يحدث لإخواننا المتضررين بالفيضانات والسيول التي اجتاحت بيوتهم ومحال تجارتهم  في بلدوين أو في مناطق من جويا .

 فلقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد هذه المناظر الحزينة فشق عليه مرآها ، فجمع المسلمين ثم خطبهم ، فذكّرهم بحق الإنسان على الإنسان ، وخوّفهم بالله واليوم الآخر، ومازال بهم حتى جمعوا ما أغنى وستر

فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: “كنّا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه قوم عُراة مجتابي النِّمار أو العَبَاءِ متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رأى بهم من تلك الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذَّن وأقام ثم صلى ثم خطب، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ… ﴾ [النساء: ١] والآية الأخرى التي في آخر الحشر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: ٨١]. تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشقِّ تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمَيْنِ من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلَّل كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بهامن بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ”

فهكذا هب المسلمون بتلبية دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته لنجدة إخوانهم المتضررين فأغنوهم بفضل الله ،وسُر الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل أصحابه واستجابتهم لدعوته ،ومناصرتهم لإخوانهم .ويجب علينا كصوماليين أن نلبي دعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم لمناصرة إخواننا في بلدوين وغيرها من البلدان والقرى التي تضررت بفيضانات نهرى شبيلى وجوبا،وقد أخرجت الفيضانات والسيول النساء والأطفال والشيخ إلى الشوارع ، وكشفت حالاتهم التي كانت مستورة في بيوتهم ومن المؤكد أن الشعب الصومالي  وحده يكفي لحمل الكَلّ وتلبية الملهوف من إخواننا ، فلا ينقصنا ما تقدمه لهم مما يغنيهم عن البؤس ، إن لم تنقصنا الإرادة الصادقة ، فإن صدقت النية في التعاون على البر والاحسان فالحقيقة  أننا نستطيع أن نستغني عن الاعانات الخارجية ،ويمكننا بفضل الله أن نشفي صدور إخواننا المؤمنين ،ونذهب أحزانهم ، وندخل في قلوبهم الفرحة والسرور،إذا تضافرت الجهود واستشعرنا بواجب الأخوة التي قال الله فيها” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ” الحجرات آية 10

وينبغي أن نسجل هنا أنه من الأفعال المحرمة أكل الأموال التي تجمع للمتضررين، فقد يلجأ بعض الهلوعين إلى التحايل لأكل الأموال التي يُتبرع بها للمتضررين ،ويبلغ الأمر ببعضهم إلى سرقة ونهب هذه الأموال العينية وبيعها في الأسواق بحيل مختلفة وبتآويل متنوعة أو بدون غطاء بل ينهبونها في وضح النهار وعلى مسمع ومرآى هؤلاء المتضررين ،ولقد حذّر الله  عن مثل هذا الفعل فقال تعالى﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ﴾ [النساء: 29

وقال العلماء   :إن أكل المال بالباطل يأتي على وجوه ومنها أن يأكل أموال الناس بطريق التعدي والنهب، والسرقة وقطع الطريق، والظلم، والخداع ، والحيل.

وتكون حرمة أكل الأموال التي يتبرع بها الناس إلى المتضررين أشد وأعظم جرما عندما يكون آكلها من اؤتمن بها لموقعه كمسؤول ، أولمايُظن فيه من خير . فينبغي ألا يستغل المسلم منصبه أو مكانته الإجتماعية لجر منفعة إلى شخصه أو قرابته ؛ لأن التشبع من المال العام جريمة . وقدقال الرسول صلى الله عليه وسلم “من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فماأخذ بعدذلك فهو غلول” وقال أيضا صلى الله عليه وسلم “من استعملناه منكم على عمل فَكَتَمَنا مخيطاً فمافوق كان غلو لاًيأتي به يوم القيامة” لأنه اختلاس من مال الجماعة الذي يُنفق في حقوق الضعفاء والفقراء ، ويرصد للمصالح العامة . وقد قال الله تعالى”ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم تُوفّى كل نفس مّاكسبت وهم لايُظلمون”أل عمران آية161 . فهذا عقوبة الله يوم القيامة  لمن ينهب الأموال التي يتبرع بها الناس للفقراء والمساكين ، وينبغي أن يذوقوا عقابهم في الدنيا بحيث يُحاكمون على كل اختلاس أو تحايل ، وكثيرا ما نسمع سرقة وبيع شاحنات من المواد الغذائية في الأسواق ،أو إيداعها في المخازن ، ومع كثرة الأموال النقدية التي يتبرع بها المحسنون من الشعب الصومالي وشركاتهم إلا أننا نسمع أنين وصرخات البائسين من الجوع وقسوة الحر والبرد عليهم ،واستمرار هطول الأمطار عليهم وهم يفترشون الأرض مع تدفق الصدقات العينية والنقدية عليهم ، ونسمع في الأيام الأولى من الأزمة الحالية  شكاوى المتضرين عن  المسؤولين ،وتُروى حدوث السرقة أوالمحاباة في توزيع الإغاثات ، فيجب على المسؤولين أن ينظروا إلى من يسندون إليهم أمر العمل في مجال رعاية المتضررين بالفيضانات ، وأن يحاسبوهم على أي تفريط  أواعتداء بحقهم بعد اسناد الأمر إليهم فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :”من استعمل رجلا على عصابة وفيهم  من هو أرضى لله منه، فقدخان الله ورسوله والمؤمنين….

وأخيرا نختم حديثنا عن هذه الأزمة وواجبنا تجاهها أن نذكر من امتحنهم الله بالمسؤولية عن هذا الشعب أن يتقوا الله في هذا الشعب ، وأن يقوموا بواجبهم نحو مسؤوليتهم فيمكن لهم – بإذن الله- أن ينقذوا قاطني ضفاف الأنهار عن هلاك الحرث والنسل إذا أصلحوا النهر في أيام جفافه بالحفر ، واصلاح حفاظات فائض النهر في موسم الأمطار ، تلك الحفاظات التي كانت موجودة قبل خراب الوطن ، فلاتحتاج إلا إلى تأهيل واستصلاح….. وبذلك نحافظ على أرواح مواطنينا وممتلكاتهم من الهلاك ،،كما نحافظ على شرفهم من التعرض لاهانة الحوج إلى الناس ……

الله الله في الرعية ….. ووفقكم الله

Leave A Reply

Your email address will not be published.