مولد سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم بعثتــــه وهجرتـــه

0

بقلم: الأستاذ الشيخ محمود عبدالله أفرح

الفضائل النبوية قبل وجود  الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم

مهد الله جلّ وعلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فضائل جمة لم يعطها أحدا قبل من النبيين والصديقين. ومن تلك الفضائل مايلى:

أولا/  النور المحمدى والميثاق الإلهى على الأنبياء:

لقد أخبر الله تعالى فى كتابه العزيز عظيم قدر الرسول صلى الله عليه وسلم  وشرف منزلته على الأنبياء كلهم وأخذ عليهم الميثاق فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدرك محمدا ليؤمننّ به وأن يبيّنه لقومه ويأخذ ميثاقهم أن يبيّنوا لمن بعدهم. 

قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصرى قالوا أقررنا فال وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81]

قال تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [الأحزاب: 7] .

ما هذا الميثاق الإلاهى؟

فلقد روى: أن الله سبحانع وتعالى لما خلق نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أن ينظر الى أنوار الأنبياء عليهم السلام فغشيهم ما أنطقهم الله به فقالوا “يا ربنا من غشيّنا نوره؟ فقال تعالى : ” هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء” فقالوا: آمنا به وبنبوته. فقال تعالى: “أأشهد عليكم؟” قالوا: نعم. 

فذالك هو الميثاق الإلهى الذى أخذه الله على الأنبياء.

قال على بن أبى طالب: ” لم يبعث الله نبيا من أدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ  العهد بذلك على قومه”.

رحلة النور المحمدى فى الأصلاب والأرحام الطاهرة

لقد تنقل النور المحمدى فى الأصلاب الطاهرة والأرحام الزكية من ساجد الى ساجد ومن رحم طاهر الى رحم طاهر حتى وصل الى صلب عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل فى رحم آمنة بنت وهب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أول ما خلق الله من الأنوار نورى وأول ما خلق من الأرواح روحى”.

هذا النور المحمدى تقلب فى الأصلاب من لدن آدم عليه السلام كما روى الترمذى عن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أن الله خلق الخلق فجعلنى من خير خلقهم ثم خير القبائل فجعلنى من خير القبيلة ثم خير البيوت فجعلنى من خير بيوتهم فأنا أخيرهم نسبا وأخيرهم بيتا}.

نعم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنا أخيرهم نسبا”. وقد عدد العلماء المؤرخون آباءه وأمهاته الذين تنقل النبى وهو نور فى أصلابهم.

آباؤه الأقدمون:

فهو صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وفى حديث أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه، أن النبى ص قال: 

[كنت أول الأنبياء فى الخلق، وآخرهم فى البعث].

وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إنى عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته، وعدة أبى إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم}

وعن البراء قال: قلنا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: “وآدم بين الروح والجسد”.

أمهاته الأقدميات:

قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} آل عمران: 164

وروى عن بن أبى طالب رضى الله عنه وكرّم وجهه أن النبى صلوات الله وأزكى تسليماته عليه قال فى قوله تعالى :{من أنفسكم}.  

[نسبا وصهرا وحسبا ليس فى آبائى من لدن آدم عليه السلام سفاح، كلنا نكاح ]

النكاح فى الجاهلية كان ينقسم الى أربعة أنواع من الأنكحة الصالحة والفاسدة. وهذه الأنكحة فى عهد الجاهلية هى:

1) نكاح اليوم: وهو أن يخطب الرجل الى الرجل وليّته أو بنته، فيصدقها ثم ينكحها.

2) نكاح الإستبعاض: وهو أن يرسل الرجل زوجته بعد طهورها من الطمث ويقول لها: إذهبى الى فلان بن فلان واستبعضى منه، فيعتزلها هو ولا يمسّها أبدا حتى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذى تستبعض منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة فى نجابة الولد.

3) نكاح الرهط: وهو أن يجتمع الرهط دون العشرة، قيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّت ليال بعد أن تضع أرسلت الى الرهط فلم يستطع أن يمتنع الرجل منهم حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو إبنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فتلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.

4) نكاح البغايا: وهو أن يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرءة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، من أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم “القافة” ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتصق به ودعى إبنه لا يمتنع من ذلك.

هذه كانت الأنكحة الموجودة فى عهد الجاهلية، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. وهذا ثابت فى صحيح البخارى وسنن أبى داوود .

ومن أعظم عناية الله أنه جلّ وعلا أجرى نكاح آباء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من آدم عليه السلام الى أن أخرجه من بين أبويه عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب على نمط واحد وفق شريعة الله جلّ جلاله.

وفى هذا الصدد روى عن أبن عمر رضى الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله عزّ وجلّ إختار خلقه قاختار منهم بنى آدم، ثم إختار بنى آدم فاختار منهم العرب، ثم إختار العرب فاختار منهم قريشا، ثم اختار قريشا فاختار منهم بنى هاشم، ثم إختار بنى هاشم فاختارنى منهم، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبى أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم] رواه الطبرانى.

وأما من حيث أمهات النبى صلى الله عليه وسلم وطهارتهن وعفافهن، قال المؤرخ الإسلامى الكبير إبن الكلبى: [كتبت للنبى محمد صلى الله عليه وسلّم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا، ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية]

فلا بأس بالعدد الكبير من الأمهات إذا كان المراد بالأمهات الجدات وجدة الجدات من قبل أبيه وأمه، كما قاله الزرقانى رحمه الله تعالى.

وفى ذلك قال شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقى رحمه الله تعالى:

تنقّل أحمد نورا مبينا        تلالأ فى جباه الساجدين

تقلّب فيهمُ قرنا فقرنا       إلى أن جاء خير المرسلينا

وقال صاحب كتاب المولد النبوى:

حفظ الإله كرامة لمحمد               آباءه الأمجاد صونا لاسمه

تركوا السفاح فلم يصبه عاره        من آدم وإلى أبيه وأمه

الإستفتاح بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل وجوده:

إن اليهود بخيبر من أرض يثرب ( المدينة المنورة حاليا) كانوا يستفتحون بالنبى الموعود ببعثه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم على أعدائهم العرب وكان يهود خيبر تقاتل كثيرا قبيلة غطفان العربية، فكلما إلتقيا كانت يهود خيبر تدعوا بهذا الدعاء وقالوا:

]اللهم إنا نسألك بحق محمد النبىّ الأمىّ الذى وعدتنا بأن تخرجه آخر الزمان الا نصرتنا] فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فيهزمون قبيلة غطفان.

فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كفروا به فأنزل الله عزّ وجل } :ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}

هتافات نبى الله إبراهيم عليه السلام: 

وكان يهتف خليل الله إبراهيم عليه السلام يهتف : [ ربّنا وابعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم].

هتافات نبى الله المسيح عليه السلام:

وكان يهتف نبى الله عيسى المسيح عليه السلام: [ إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا بسول يأتى من بعدى إسمه أحمد]

 وبهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود بنى قينقاع فى المدينة وقد هاجر من مكة الى يثرب: [ يا معشر يهود أسلموا قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش، فوالله أنكم لتعلمون أنى رسول الله، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم].

زواج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بن وهب

هناك قصة رائعة فى زواج عبد الله والد الرسول من آمنة أم الرسول روتها كتب السير والتواريخ تقول: لما إنطلق عبد المطلب بابنه عبدلله ليزوجه مرّ على ” فاطمة الخثعمية” والتى كانت كاهنة مشهورة قرأت الكتب القديمة، ولها جمال مفرط وعفة زائدة، وكان شباب قريش يتحدثون بها فقالت لعبدالله: يا فتى من أنت؟ فأخبرها، فقالت: هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر اليها وقال:

أما الحرام فالممات دونه      والحلّ لا حلّ فاستبينه

فكيف بالمر الذى تبغينه     يحمى الكريم عرضه ودينه

فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وهو يومئذ سيّد بنى زهرة، فزوجه آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل إمرءة فى قريش نسبا وصهرا وموضعا وذلك بعد أن تزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب أخى وهب وهى أم حمزة بن عبد المطلب. وبعد الزواج دخل عبد الله ووقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها بعد أيام فأتى المرءة التى عرضت عليه ما عرضت  فقال لها: ما لك لا تعرضين اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة، والله إنى لست بصاحبة ريبة ولكن رأيت النور فى وجهك فأحببت أن تضعها عندى، وأبى الله أن يضعه إلا حيث يشاء.

تم الزواج لعبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب بن عبد مناف على نمط نكاح اليوم وهو النكاح الشرعى.

مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وما ظهر من الآيات الكونية:

ولد الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفيل بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما. وكان الفيل فى شهر المحرم سنة إثنين وثمانين وثمان مائة من عهد ذى القرنين فى زمان ملك كسرى أنوشروان، ومات أنوشروان بعد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان المولد نهارا بعيد طلوع الفجر يو م الإثنين ثانى عشر ربيع الأول. ويقول ابن إسحاق فى سيرته: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين عام الفيل لأثنتى عشرة من شهر ربيع الأول.

ومن حكمة الله تعالى: أن والد الرسول عبد الله بن عبد المطلب ولد لأربع وعشرين سنة مضت من سلطان كسرى انوشروان، وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنة إثنتين وأربعين من سلطانه. 

ظهور المعجزات بمولده صلى الله عليه وسلم:

أولا: أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدّث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض فقولى: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به خرج منها نور رأت قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت الى جده عبد المطلب ، انه قد ولد لك غلام فانظر إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وأمرت أن تسميه. 

ثانيا: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إرتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموْبذان (اسم مكان) إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، وقد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها.

بعد ميلاده وشبابه إلى نبوته:

نلخص في الجدول الآتى الأحداث التى وقعت من ميلاده الى نبوته:

فى السنة الأولى من ميلاده  أرضعته ثويبة مولاة أبى لهب وأرضعت معه حمزة

فى السنة الثانية من ميلاده فصلته حليمة السعدية من الإرضاع وجاءت به الى أمه وطلبته أن ترجعه معها ففعلت

فى السنة الثالثة وقيل الرابعة  بعد رجوعه من مكة بأشهر أتاه الملكان فشقا صدره واستخرجا منه علقة سوداء وقالا: هذا حظ الشيطان منك، وملآه حكمة وإيمانا، ثم وضعا الخاتم بين كتفيه ولم يكن الخاتم لنبى قبله.

فى السنة الخامسة  رددته حليمة السعدية الى أمه خوفا عليه من نصارى الحبشة الذين حاولوا خطفه وذهابه الى وطنهم

فى السنة السادسة خرجت به أمه الى أخواله بنى عدى بن النجار تزيره إياهم، وأقام فيهم شهرا. وكان يهود المدينة يختلفون إليه ويتعرفون منه علامات النبوة، ثم رجعا هو وأمه الى مكة فتوفيت أمه بالأبواء ويقال أن أباه مات بالأبواء نفسها.

وفى السنة السابعة حدثت قصة سيف بن ذى يزن مع جده عبد المطلب وإخبار الكهان بخبر نبوة إبنه محمد

وفى أوائل السنة الثامنة توفى جده عبد المطلب بعد وفاة أمه بسنتين فكفله عمه أبو طالب أحسن كفالة.

وفى السنة التاسعة خرج مع عمه أبى طالب الى الشام فى تجارة، وفى بصرى من الشام رآه بحيرا الراهب وسأل أبى طالب ما العلاقة بينك وبين هذا الغلام فقال هو ابن أخى، فناشده أن يرده الى مكة خوفا من اليهود والنصارى فرجع الى مكة.

وفى السنة الرابعة  وقعت حرب الفجار فى شهر شوال بين كنانة وقيس عيلان، وسمى حرب الفجار لوقوعه فى الشهر الحرام.

وفى السابعة عشر  قتل هرمز أحد الملوك الأكاسرة

وفى الخامسة والعشرين من عمره  خرج النبى مع ميسرة غلام خذيجة فى تجارة لها قبل أن يتزوجها بشهرين وأربعة وعشرون يوما. وقال نسطورا الراهب لميسرة ممن هذا الرجل؟ فقال من قريش، من أهل لحرم، فقال : هذا نبى وهو آخر الأنبياء. وحكى ميسرة: أنه كان إذا اشتد الحرّ ظلّته غمامة. وتزوج خذيجة وهو ابن خمسة وعشرين

وفى الخامسة والثلاثين من عمره ظهرت أمارات النبوة واشتهرت بركته وأمانته فى القرى.

وفى الثامنة والثلاثين كان النبى يرى الضوء والنور ويسمع الصوت والنداء ولا يرى أحدا وحبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء، وكانت الأحجار تسلم عليه قبل النبوة وتناديه بالرسالة كما فى صحيح البخارى

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة جاءه الأمين جبريل عليه السلامبرسالة الملك الجليل فألقى عليه القول الثقيل وأول ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، ثم نزل عليه أول شىء من القراءن الكريم: إقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم.

أول من أحدث المولد:

أول من أحدث المولد هو صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى إبن زين الدين على بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد. قال إبن كثير فى تاريخه: [ كان يعمل المولد الشريف فى ربيع الأول ويحتفل به إحتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا عاقلا عادلا رحمه الله وأكرم مثواه].

ما حكم المولد فى الشريعة الإسلامية وما هى حقيقته؟:

المولد هو الإحتفال لميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فى إثنى عشر من شهر ربيع الأول فرحا بفضل الله وبقدوم وميلاد سيد المرسلين فى هذا الشهر المبارك المعظم، وتحدثا بنعمة الله ورحمته ومنته، وهذا مطلوب شرعا وعقلا.

أما الشرع: 

فقد قال تعالى: { قل بفضل وبرحمته فبذلك فليفرحو هو خير مما يجمعون} يونس:58

وقال السيوطى فى تفسير هذه الآية ناقلا عن إبن عباس رضى الله عنهما: [فضل الله العلم ورحمته محمد صلى الله [عليه وسلم.

المولد تثبيت لأفئدة المسلمين بأخبار الرسول وأنبائه، وهذا ثابت بالنص الشرعى، وقال تعالى: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} هود:120 

ألسنا نحتاج الى ذلك أكثر من الرسول صلى الله عليه وسلم.

المولد هو الفرح والسرور بنعمة الله ومنته: قال تعالى: { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} آل عمران: 164

المولد هو الفرح والسرور برحمة الله: قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}الأنبياء: 108

المولد هو الإستطلاع والتذكر لنور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} المائدة: 15 .

المولد هو الوليمة والأكل والمدح بالرسول فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول بالتحديد أو الشهر كله، وهذا لا باس به بل هو مطلوب ومأجور شرعا.

كيفية الإحتفال بالمولد النبوى الشريف:

إن الإحتفال بالمولد النبوى الشريف ليس له كيفية مخصوصة لا بد من الإلتزام وإلزام الناس بها، بل إن كل ما يدعو الى الخير ويجمع الناس على الطاعة ويرشدهم الى ما فيه منفعتهم فى دينهم ودنياهم يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوى.

أقوال علماء الإسلام فى مشروعية الإحتفال بالمولد النبوى الشريف:

 اولا/  الإمام أحمد إبن تيمية قال: [فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله الناس بعض الناس محبة للنبى صلى الله عليه وسلم وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والإجتهاد لحسن قصدهم] إتضاء الصراط المستقيم، ص: 226.

ثانيا/ الإمام إبن حجر الهيثمى قال: [والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها، وعمل المولد واجتماع الناس له من [البدع الحسنة.

ثالثا/ الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووى قال: [ ومن أحسن ما إبتدع فى زماننا ما يفعل كل عام فى اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإسان للفقراء مشعر بمحبة النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وتعظيمه فى قلب فاعل ذلك وشكرا لله على ما منّ به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذى أرسله رحمة للعالمين].

رابعا/ الإمام السيوطى قال: [ هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبى صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرحوالإستبشار بمولده الشريف، ويستحب لنا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وسلم والإجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات].

خامسا/ الحافظ العراقى قال: [ إن إتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب فى كل وقت، فكيف إذا إنضم الى ذلك الفرح والسرور بظهور نور النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الشهر الشريف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها، فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة].

سادسا/  الإمام شيخ الإسلام إبن حجر العسقلانى قال: [ أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فمن تحرى فى عملها المحاسن وجنّب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، وقد ظهر لى تخريجها على أصل ثابت فى الصحيحين من أن النبى صلى الله عليه وسلم:  قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فقال نحن أولى بموسى عليه السلام] – فبدأ المسلمون يصومون يوم عاشوراء حتى يومنا هذا – فيستفاد  منه الشكر لله على ما منّ به فى يوم معيّن من إسداء نعمة او دفع نقمة، ويعاد ذلك فى نظير ذلك اليوم من كل سنة، وأى نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبى نبى الرحمة فى ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من التلاوة والإطعام وإنشاد شىء من المدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة].

إنشاد شىء من المدائح النبوية المحركة للقلوب:

يارب صل على محمد                           نبينا أشرف الأنام

يا سيد الرسل يا حبيبى                          يا واحة الظل يا ضيائى

يا دفقة النور للحيارى                            وجرعة الرىّ للظماء

يا طبّ هذا الورى رحيم                           تهدى الى البرّ والشّفاء

إنا على العهد ما حيينا                           ندين بالحب والوفـــاء

أعـــــــزة مؤمنون نحيـــــــــــا                    بعــزة الله فى عــلاء

لا تنحنى هامة تسامت                           الا إلى اللــــــه فى ولاء

فأنت فى القلب كبرياء                           تشع بالطـــــهر والإبــــاء

وكل سعدى وكل فخرى                         إليك يا سيدى انتمائى

يا مرشدى قائدى شفيعى                        وقائــد الغرّ فى اللقـــــــــاء

صلى عليـــك الكـــــــــــريم ربى                       فى طلعة الصبح والمساء

سابعا/ شيخ الإسلام المبشر الطرازى التركستانى قال: [ إن الإحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف أصبح واجبا أساسيالمواجهة ما إستجد من الإحتفالات الضارة فى هذه الأيام]

ثامنا/ الشيخ محمد متولى الشعراوى قال: [ وإكراما لهذا المولد الكريم، فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح  والإبتهاج بهذا الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام،وذلك بالإحتفال بها من وقته].

الشبهات التى وردت حول الإحتفال بالمولد النبوى الشريف:

 الشبهة الأولى/ قالوا: [ إن الإحتفال بالمولد لم يفعله السلف ولم يكن فى الصدر الأول، فهو بدعة يجب الإنكار عليها].

فالجواب على ذلك: 

أنه ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن فى الصدر الأول فهو بدعة محرّمة، ولو كان الأمر كذلك لحرم كثير مما فعله الصحابة والتابعين وعلماء الإسلام ومنها:

1)  جمع أبوبكر وعمر وزيد رضى الله عنهم القرءان وكتبه فى المصاحف

2)  جمع عمر الناس على إمام واحد فى صلاة القيام مع قوله: نعمت البدعة هذه.

3)  التصنيف فى جميع العلوم النافعة من التفاسير والأحاديث وعلوم الفقه وعلم الأصول وعلم العقائد وغير ذلك من الفنون والعلوم

4) إتخاذ المدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون وبيوت طرد الجن من الناس. 

الشبهة الثانية/ قالوا: [ إن الإحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم فى شهر ربيع الأول وهو نفس الشهر الذى توفى فيه، فلماذا يكون الفرح بولادته ولا يكون الحزن بوفاته؟[

فالجواب على ذلك:

كما قال الإمام السيوطى رحمه الله تعالى: أن ولادته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أعظم النعم علينا، ووفاته أعظم المصائب لنا ، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والمنن والصبر والسكوت والكتم عند المصائب.

الشبهة الثالثة/ قالو: [ لماذا تخصيص الإحتفالات بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم بالشهر المعين شهر ربيع الأول واليوم المحدد يوم الثانى عشر من الشهر]؟

فالجواب على ذلك:

هذا الشهر لها منزلة تاريخية فى المسلمين لأنها تشمل كثيرا من الأمور العظيمة التى لها ذكريات ووقع وشوق فى قلوب المسلمين ومنها:

1)  أنه الشهر الذى ولد فيه الرسول، والرسول كان رحمة عالمية جاءت للعالمين كلها، وهو منة منّ الله بها على المسلمين، وهو نور جاء لهداية الحيارى، وبهذا من الواجب علينا إظهار الفرح والسرور على منة الله ورحمته ونعمته فى هذا الشهر المبارك.

2)  وهو الشهر الذى بعث فيه رسول الإسلام، وهذا نعمة من الله يجب علينا أن نذكرها ونتحدث بها شكرا لله تعالى. قال تعالى: { هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} الجمعة: 2. أليس من الواجب أن نتحدث بهذه النعمة والمنة عملا بقول الله جلّ جلاله: { وأما بنعمة ربك فحدث}.

3) وهذا الشهر هو بداية التاريخ الإسلامى الهجرى، وهو الشهر الذى هجر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه الى المدينة المنورة، وعلى هذا فإن لها منزلة تاريخية عند المسلمين وتستحق أن نخصص فيها ذكرى مولد الحبيب صلى الله عليه وسلم.

4)   تخصيص عمل الخير فى وقت معين ليس منكرا ولا محرما بل هو شىء له أصل شرعى كما هو مذكور فى حديث صوم عاشوراء. وكذلك نزول المائدة لعيسى عليه السلام  من السماء التى أعتبر عيدا لأهل الأرض للأولين والأخرين ليظهروا فرحهم فما أحرانا أن نفرح بمولد الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة العظمى للعالمين والمنة الكبرى للمسلمين.

الخاتمة:

يا سيدى يا رسول الله .. ما أطيبك حيا وميتا

يا سيدى يا رسول الله  … ما أعطر سيرتك الفيحاء وما أشرف شريعتك الغرّاء

فصلاة الله وسلامه عليك يا خير من جاءت به الأصلاب الطيبة والأرحام الطاهرة

وصلاة الله وسلامه عليك فى الأولين والآخرين

وصلاة الله وسلامه عليك فى يوم الدين

صلاة تطهر بها قلوبنا ونفوسنا وتقوى بها إرادتنا ونسترد بها حقنا وننتصر بها على الظالمين 

والحمد لله رب العالمين

Leave A Reply

Your email address will not be published.