دروس من الهجرة النبوية

0

بقلم / التدكتور عبدالله أبوبكر شيخ حسين

مقدمة

الحمد لله أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والتابعين لهم باحسان إلى يوم الفصل ……… وبعد

إن تاريخ رسالة الإسلام الخالدة – منذ أن بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إلى العالمين رحمة وهدى ومبشراًونذيراً- حافلةُ بأحداث تُربّي المسلمين على التّشبُث والتمسك بدينهم ، والتضحية في سبيل ذلك ،وكان من تلك الأحداث هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من موطنهم وبيئتهم التي تربوا وترعرعوا فيها ، وكانت حياتهم تطيب بها ،ولم يكن من السهل علىهم مهما بلغت بهم الظروف أن يفارقوا موطنهم ،ولكن ما استقر في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمان عميق ،ويقين صادق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم كان أكبر من الأهل والوطن ؛لذا هانت عليهم مصاعب سفر لم تستعد له نفوسهم ؛فاستحقوا أن يُخلّد الله ذكرهم في آيات تُتلى إلى يوم القيامة.

وحفلت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عِبرُودروس يستأنس بها المؤمنون من بعدهم ،ويستلهمون بها في تمسكهم لدينهم ،والدعوة إليها،والصبر بما يلقونه في سبيلها . وسنقف في هذه الأسطر وقفات مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ،وماتبعهامن أعمال بعد ما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم بها.  

  الدروس والعبر

حين ضاقت قريش بمحمد ذُرعا ،كماتضيق القوة الغاشمة دائما بكلمة الحق ،ولا تملك لها دفعا ،ولاتطيق عليها صبرا ،ائتمرت به ،وقررت أن تتخلص منه ؛فاطلعه الله على ما ائتمرت به قريش ،وأوحى إليه بالخروج ،فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصديق،لاجيش ولاعُدّة ،وأعداؤه كُثر ،وقُوّتهم إلى قُوّته ظاهرة

صبرا ،ائتمرت به ،وقررت أن تتخلص منه ؛فاطلعه الله على ما ائتمرت به قريش ،وأوحى إليه بالخروج ،فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصديق،لاجيش ولاعُدّة ،وأعداؤه كُثر ،وقُوّتهم إلى قُوّته ظاهرة

  ولم يكن الهجرة من مكة إلى المدينة مجرد فرار من الاضطهاد إلى الاستقرار ،بل كان تأسيس وطن للدعوة ،وتعاون على اقامة مجتمع مسلم في بلد آمن يمكّنه من العمل للدعوة ،ونشرها ،والتبشير بها ،فكان فرضا على كل مسلم أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد ،وأن يبذل جهده في رفع شأنه ،بل اصبح الانتقال من المدينة إلى مكة بعد الهجرة ،أو بعد فتح مكة نكوصا عن تكاليف الحق ،وعن نصرةالله ورسوله.

  فالحياة بالمدينة أصبح دينا ؛لأن قيام الدين يعتمد على اعزازها ،وبمجرد أن أذن الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة هرعوا من مكة وغيرها إلى المدينة المنورة يحدوهم اليقين ،ويرفع رؤوسهم الثقة .

   ورغم أن الهجرة بالمقياس الإنساني هي اكراه شخص باهدار مصالحه وتضحية أمواله ،والنجاة بشخصه فقط ،وهو في احتمال أن يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها ، وليس يرتكب هذه المخاطر بنفسه فقط ،بل بأهله وولده ،إلا أن سرّ الإيمان في هذه الحادثة يكمن في أن الصحابي يسير في هذه الاتجاه رضيّ الضمير وضّاء الوجه.(ويتجلى في هذا غاية التجرد لماآمنوابه،وغاية الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم).

  ومعية الله مع أوليائه لاتعني اهمال أخذ الأسباب ،فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخرج من داره بأمر من الله ،ويعلم أن الله معه في هذه الرحلة الشاقة ،إلاأنه لم يهمل الأسباب فقد أحكم خطة هجرته ،وأعدّلكل فرض عدّته ،ولم يدع في حسبانه مكانا للحظوظ العمياء. فأخذ صلى الله عليه وسلم الأسباب اللازم لنجاح هذه الرحلة ؛فاستبقى معه أبوبكر وعليٍّ ؛ليؤدّي كل منهما مهمة معينة ،وأذن لسائر الصحابة بالهجرة وتقدّمه إلى المدينة.

  فأما ابوبكر الصديق فقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : – حينما استأذنه بالهجرة – “لاتعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا”، بينما كان علي بن أبي طالب قد هيّأه لدور خاص وهو تمثيل الرسول صلى الله عليه وسلم بمبيته ، وكان هذا الدور بالنسبة لعليّ بن أبي طالب غاية تضحية المؤمن لرسوله صلى الله عليه وسلم يشير إلى عمق إيمانه ،وثقته بالقائد ،وبالمنهج الذي يربي عليه المؤمنين (ويبدو من هذا غاية التضحية بالنفس في سبيل الدعوة). وكان كل من عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة يقومان بأدوار معينة تتمثل في تقصي أخبار قريش وابلاغها الى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ،ومن ثَمّ  محو أثار عبد الله (ويظهر من هذا أيضا غايةالطاعة والعمل والاخلاص)            

.والسّياق القرآني يُصوِّرمشهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في هذا الحدث العظيم  فقال تعالى : (إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) التوبة آية 40 ،فقريش على إثرهما يتعقبون ،والصديق يجزع -لاعلى نفسه-على صاحبه أن يطلعوا عليهما ،فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ؛فيقول له:لوأن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه،والرسول صلى الله عليه وسلم _ وقدأنزل الله سكينته على قلبه_  يُهدِّئ من روعه ويُطمئن من قلبه فيقول له “ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما؟”هذه هي الصورة بين الطالب والمطلوب ، فماذا كانت العاقبة ؟والقوة المادية في جانب الطالبين ،والرسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبه منها مجرد، كان النصر المؤزر من عندالله بجنودلم يرها الناس ،وكانت الهزيمة والذل والصغار للذين كفروا  ” وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى “وظلت كلمة الله في أعلى مكانها منتصرة قوية نافذة” وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا”

  وفي طريق الهجرة تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه من المُعجزات ما يدل على حماية الله ومعيته لهما ،فهذا سراقة بن مالك يدفعه أمل الفوز بجائزة سادات قريش بمن يأتي بمحمدصلى الله عليه وسلم وصاحبه بمطاردة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ،فيبدله الله بجائزة أفضل من جائزة قريش ،ويفوز ببشارات الرسول صلى الله عليه وسلم له بأنه: سيدخل في الإسلام ،وأنه سيجاهد في سبيل الله ،وأنه سيلبس سوارى كسرى ،وتتحقق هذه النبوءة المحمدية صلى الله عليه وسلم في آخر عهد الأمير عمر بن الخطاب إذ دعا رضوان الله عليه سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، وسراويله، وقباءه، وخفيه، وقلده سيفه، ومنطقته، ووضع على رأسه تاجه، وألبسه سواريه، عند ذلك هتف المسلمون الله أكبر الله أكبر، ثم التفت عمر إلى سراقة، وقال:  بخٍ بخٍ يا سراقة أعرابيٌ من مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواراه، ثم رفع عمرُ رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إنك منعتَ هذا المال لرسولك صلى الله عليه وسلم، وكان أحبَّ إليك مني ،وأكرمَ عليك ،ومنعته أبا بكرٍ، وكان أحبَّ إليك مني، وأكرمَ عليك، وأعطيتنيه، وأعوذ بك أن تكون قد أعطيتنيه لتمكر بي، ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين فقراء المسلمين.

  وبعد وصول المهاجرين  إلى المدينة تعرضوا في البيئة الجديدة بحمى الملاريا واستوخموا جو المهجر الذي آواهم ،ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المهجور ،فبدء الرسول صلى الله عليه وسلم يُصبّرهم على احتمال الشدائد بالبيئة الجديدة ،والتضحية لنصرة الإسلام،فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لايصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلاكنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة ،ولايدعها رغبة عنها إلاأبدل الله فيها من هو خير منه )أخرجه مسلم”4/113″،وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد حتى تطيب به النفوس ،وتنفر من مغادرته ، وتعميقا في التحبيب للمدينة المنورة قال الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ماجعلت بمكة من البركة)أخرجه البخاري”4/78″

أهم أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة  

   بناء المسجد

  بناء المسجد وتشييده كأول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم كانت له معنى أبلغ من مجرد مكان لتجمع المسلمين لأداء الصلوات الخمس ،ففي المسجد ربّى الرسول صلى الله عليه وسلم  الربانيين ،ومؤدبي الجبابرة ،وملوك الدار الآخرة ، والمسجد مصدر التوجيه الروحي والمادي ،وهو ساحة للعبادة ،ومدرسة للعلم ،وندوة للأدب ،وقدارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام ،ففي المسجد كان يتم حفظ التماسك الاجتماعي ،ومنه كانت تُدار السياسات الإقتصادية ،والعلاقات الدولية ،وفيه كانت تقضى المنازعات بين أفراد المجتمع بأطيافه المتنوعة.

توثيق أواصرالأخوة بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم

  كان توثيق الأخوة بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجريهم وأنصارهم هو توثيق صلة الأمة بعضها ببعض ،فقد أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم على الإخاء الكامل ،الإخاء الذي تُحمى فيه الأنانية ،ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها ،فلايرى لنفسه كيانا دونها ،ولاامتداداًإلافيها ،ومعنى هذا أن تذوب عصبيات الجاهلية فلاحمية إلا للإسلام .

  وقدجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقداًنافذاً ،وعملاًيرتبط بالدماء والأموال ،وكانت عواطف الإيثار ،والمواساة ،والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة ،وتملأ المجمتمع الجديد بأروع الأمثال ،وتجسد ذلك في حرص الأنصار على الحفاوة بإخواهم المهاجرين ، فمانزل مهاجريّ على أنصاري إلا بقرعة  ،وقدّر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلُّوه ،ولانالوامنه إلا بقدر ما يتوجّهون إلى العمل  الحر الشريف ، وقد ظلت عقود الإخاء مقدمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة بدر.

توثيق الصلة بين المسلمين وغيرهم من مكوِّني مجتمع المدينة المنوّرة

أبرم المسلمون مع المجتمع اليهودي وثيقة اتفاق تُعبِّر عن رغبة المسلمين في التعاون الخالص مع يهود المدينة ؛لنشر السكينة في ربوعها ،والضرب على أيدي العادين ،ومدبِّري الفتن أيّا كان دينهم ،وأعطت الوثيقة غير المسلمين بوضوح أن حرية الدّين مكفولة ،وتكاتفت العبارات في هذه الوثيقة على نصرة المظلوم ،وحماية الجار ،ورعاية الحقوق العامة والخاصة ،واستنزل تأييد الله على من أبرّمافيها وانقاه ،كما استنزل غضبه على من يخون ويغشُّ ،واتفق المسلمون مع اليهود على الدفاع عن المدينة إذا هاجمها عدو. وأوضحت هذه الوثيقة إلى العداوة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة ،وأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم رفضه القاطع لموالاتهم ، واسداء أي عون لهم……..

Leave A Reply

Your email address will not be published.