الهجرة النبوية إضاءات وتوجيهات بمناسبة حلول عام هجري جديد وعاشوراء

0

ذ. سعيد منقار بني

عباد الله، لا شك أنكم تعلمون أننا ودعنا منذ بضعة أيام عاما هجريا واستقبلنا آخر، وحدث الهجرة أيها الإخوة المؤمنون جزء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الكريمة الطاهرة  التي تمثل منهجاً كاملاً للإنسانية، و كيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان قرآنا يمشي على الأرض، لذلك لم تجد السيدة عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن خُلـُق رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة مناسبة تعبر بها عن سمو أخلاقه صلى الله عليه و سلم سوى قولها: “كان خُلـُقه القرآن يرضى برضاه و يسخط بسخطه”، هذا النبي الكريم الذي أمرنا الله تعالى بطاعته إذ قال عز من قائل: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾سورة الحشر: الآية 7، واجب علينا حتما امتثال ما تدعونا إليه هذه الآية الكريمة فهل تساءلنا معشر المؤمنين كيف نأخذ ما آتانا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إذا لم نكن على علم بسيرته الشريفة؟ نعم كيف يتسنى لنا ذلك إن لم نكن مطلعين على أحواله و أقواله و أفعاله و شمائله صلى الله عليه و سلم؟ إن القاعدة الأصولية تقول” ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ” فمعرفة السيرة النبوية إذن فرض عين لمن يريد تطبيق قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

ألا فاعلموا عباد الله: أن النبي عليه صلى الله عليه وسلم ـ الذي جعله الله قدوةً لنا ـ قد أذاقه الله من كل شيء، أذاقه ربه الفقر فصبر حتى إذا نصح الفقراء بالصبر نفعهم ذلك النصح، وأذاقه الله تعالى الغنى ففتحت له الدنيا وأقبلت عليه بخزائنها، فزهد فيها وبذلها للناس في سخاء وكرم لا نظير له فيهما، وأذاق الله تعالى رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم القهر (كما يقهر كثير من المسلمين في هذا الزمان)، أذاقه القهر في الطائف حيث تسلط عليه الصبيان والسفهاء يضربونه بالحجارة حتى أدْمَوْا قدميه وعقبيه فخرج منها طريدا شريدا فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟  إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي،أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبَك، أو يحل عليَّ سخطـُك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.( سيرة ابن هشام) و أذاقه سبحانه النصر والعزة والتمكين في مكة، فدخلها عليه الصلاة والسلام من أعلاها، فاتحا مؤزرا منصورا، راكبا على راحلته، منحنيا على رحله تواضعا لله تعالى وشكرا له على هذه النعمة، حتى إن جبهته تكاد أن تمس رَحْله ولم يدخلها متكبرا ولا متجبرا على خلق الله بل قال لقريش المنهزمة الذليلة بين يديه: ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم و ابن أخ كريم،قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء.”و أذاقه الله تعالى موت الولد فحزن و صبر و لم يقل هُجْرا(أي قولا قبيحا)، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام(الظئر هو زوج المرضعة فهو صاحب اللبن) فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ”.  وأذاقه  الله ألم طلاق ابنتيه السيدتين رقية وأم كلثوم، وأذاقه الله مرارة التعرض للإشاعة الكاذبة الطاعنة في عرضه وشرفه، فقد أشاع الناس الشائعة عن زوجته المكرمة المحبوبة لديه عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها وتكلموا في عرضها في حديث الإفك، فكان موقفه صلى الله عليه و سلم موقف الزوج الصابر المتأني المتثبت الذي لا يتعجل حتى نزلت براءتُها من السماء بقرآن يتلى إلى يوم الدين.

نعم أيها المؤمنون لقد ذاق صلى الله عليه وسلم من كل شيء، ووقف من كل شيء الموقف الصحيح الصائب الكامل، لذلك كان قدوةً لنا وأسوة ومثلا أعلا، فمن كان في أي موقف من مواقف الحياة فليرجع إلى سيرة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فسيجد لا محالة فيها ما يصلح له الاقتداء به فيه، وهذا خير ما ندعو أنفسنا وأنفسكم إليه في توديع عام هجري واستقبال آخر .

أيها المؤمنون: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فـُرض رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره)أخرجه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال:ما هذا؟ قالوا:هذا يوم صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه)، وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال صلى الله عليه و سلم : وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : (يكفر السنة الماضية) رواه مسلم.. واعلموا أن من المستحب صيام يوم عاشوراء عند جمهور العلماء، ويُستحب أن يُصام معه التاسع .. واعلموا  أنَّ كلَّ ما يُفعل فيه سوى الصوم إما بدعة مكروهة أو محرمة.

المصدر: الاصلاح

Leave A Reply

Your email address will not be published.