القدس.. وقيادة العالم

0


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة مرفوعًا “تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا” وعن ابن عباس مرفوعًا: “من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس”، وعن أنس بن مالك: “إن الجنة لتحن شوقًا لبيت المقدس”، هذه الإشراقات النبوية تعبر بصورة دقيقة عن (لماذا تهفو القلوب لبيت المقدس، ويضحِّي من أجله الطفل والشيخ والرجل والمرأة، والمؤمن والعاصي في كل دول العالم الإسلامي).

وللقدس في قلوب المسلمين مكانةٌ لا تقل عن مكانة بيت الله الحرام، ولا غرابةَ في ذلك فقد جمع الله بينهما في قوله: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِيْ بَارَكْنَا حَوْلَهُ” (الإسراء: 1)، ولقد أحب الله تعالى من خلقه أشياءَ وكرَّمها وشرَّفها، وأمرَنا بتقديسها وتشريفها.. فقد أحب الله عبادًا من خلقه وأمرنا بحبهم، فأحبَّ الملائكة وأحبَّ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. وأحبَّ الله أزمانًا وفضَّلَها وأمرنا بحبها وتكريمها وتفضيلها، فأحبَّ رمضان، وليلة القدر، ويوم الجمعة.. وأحبَّ الله تعالى أماكن دون غيرها وقدَّسها وأمرنا بتقديسها، فأحب مكة المكرمة وكعبتها الشريفة، وأحب المدينة المنورة ومسجدها الشريف وقدَّسها، وأحب بيت المقدس ومسجده الأقصى وقدَّسهما، ونحن نحب ونقدِّس ما أحبه الله وقدَّسه.

فهذه حكاية مكان مبارك أحبه الله تعالى وقدّسه، وأحبه الأنبياء وقدَّسوه.. ذلكم المكان المطهر هو المسجد الأقصى.. الذي بارك الله حوله، وجعل أرضه مهبطَ الرسالات، ومهجرَ الرسل والأنبياء، ومهوى أفئدة وقلوب الأولياء الصالحين.. فجعل الله بيت المقدس والمسجد الأقصى- محورَ تقديس الأنبياء والأولياء في الماضي- مكانة القدس في الإسلام.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي- الداعية الإسلامي- “إن للقدس عند المسلمين مكانةً عظيمةً، وذلك منذ بداية البعثة المحمدية؛ حيث كانت القبلة الأولى لهم، وفي رحلة الإسراء التي هيَّأها الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى القدس، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ورحلة المعراج من الأرض إلى السماء، من القدس إلى السموات العلا..برز أمران هامان:

الأول: هو كيف ربط الله- سبحانه وتعالى- بين المسجد الأقصى وبين المسجد الحرام، وكيف أعلمنا الله- سبحانه وتعالى- أن المسجد الأقصى كان مقصودًا، كان يمكن أن يعرج النبي- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى سدرة المنتهى.. فلا بد أن ننظر لماذا كان هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لماذا لم يُعرج برسول الله – صلى الله عليه وسلم- مباشرةً من المسجد الحرام إلى السموات العلا؟ هذا يدلنا على أن المرور بهذه المحطة القدسية، المرور ببيت المقدس، في هذه الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، المرور بالمسجد الأقصى كان مقصودًا، والصلاة بالأنبياء الذين استقبلوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيت المقدس، وأنه أَمَّهم، هذا له معناه ودلالته، أن القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة، وإلى نبوة جديدة، إلى نبوة عالمية ليست كالنبوات السابقة التي أُرسل فيها كل نبي لقومه، هذه نبوة عامة خالدة لكل الناس، رحمةٌ للعالمين، ولجميع الأقاليم، ولسائر الأزمان.

فهي الرسالة الدائمة إلى يوم القيامة، عموم هذه الرسالة وخلودها كان أمرًا لا بدَّ منه، وهذه الصلاة بالأنبياء تدل على هذا الأمر، والذهاب إلى المسجد الأقصى وإلى أرض النبوات القديمة- التي كان فيها إبراهيم وإسحاق وموسى وعيسى- إيذانٌ بانتقال القيادة.. القيادة انتقلت إلى الأمة الجديدة، وإلى الرسالة العالمية الخالدة الجديدة.

هذا الربط بين المسجدَين.. المسجد الحرام والمسجد الأقصى.. يُشعِر الإنسان المسلم أن لِكِلا المسجدين قدسيته، فهذا ابتدأَ الإسراء منه وهذا انتهى الإسراء إليه، وكأن هذا يوحي أن من فرَّط في المسجد الأقصى يوشك أن يفرِّط في المسجد الحرام، ولو فرَّط في منتهى الإسراء يمكن أن يفرِّط في مبتدأ الإسراء.

أراد الله- تبارك وتعالى- أن يربط بين المسجدين، المسجد الذي ابتَدأ منه الإسراءُ، والمسجد الذي انتهى إليه الإسراءُ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أراد الله- سبحانه وتعالى- أن يرتبط في وجدان المسلم هذان المسجدان، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأراد الله أن يثبت المسجد الأقصى بقوله “الَّذِيْ بَارِكْنَا حَوْلَهُ” (الإسراء: 1)، ووصف الله هذا المسجد بالبركة، وهذا قبل أن يوجد مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المسجد النبوي لم ينشأ إلا بعد الهجرة (في المدينة)، فأراد الله أن يوطِّد هذا المعنى ويثبِّته في عقول الأمة وقلوبها، حتى لا يفرِّطوا في أحد المسجدين، من فرَّط في المسجد الأقصى أوشك أن يفرِّط في المسجد الحرام، المسجد الذي ارتبط بالإسراء والمعراج، والذي صلى إليه المسلمون مدةً طويلة من الزمن، حينما فُرضت الصلاة، كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس.

كان بيت المقدس قبلتهم ثلاثَ سنين في مكة وستة عشر شهرًا في المدينة، صلوا إلى هذا المسجد إلى بيت المقدس، كان قبلةَ المسلمين الأولى، فهو القبلة الأولى، وهو أرض الإسراء والمعراج، وهو المسجد الذي لا تشدُّ الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبهذا كانت القدس هي المدينة الثالثة المعظَّمة في الإسلام بعد مكة والمدينة.

هكذا ينبغي أن يعيَ المسلمون أهمية القدس في تاريخهم، وأهمية المسجد الأقصى في دينهم، وفي عقيدتهم، وفي حياتهم، ومن أجل هذا حرص المسلمون طوال التاريخ أن يظل هذا المسجد بأيديهم.

الثاني: أن الصلاة لها ارتباط بالمسجد الأقصى؛ لأنه عندما فرضت الصلاة ظل المسلمون بعدها إلى الهجرة يصلون إلى المسجد الأقصى، كان هو القبلة الأولى للمسلمين، إذا كان القول الراجح بأن الإسراء كان في السنة العاشرة من البعثة فقد ظل المسلمون ثلاث سنوات يصلون إلى القدس، وبعد الهجرة ظلوا ستة عشر شهرًا يصلون أيضًا إلى القدس، وهي القبلة الأولى، ثم أمر الله أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام “وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ” (البقرة: 149).

بيت المقدس قطعة من الجنة، ويذكرالدكتور محمد أبو ليلة- الأستاذ بجامعة الأزهر- أن المسجد الأقصى سُمِّي بهذا الاسم لبُعد ما بينه وبين المسجد الحرام في المكان، وكان أبعَد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة، والمراد بالبركة المذكورة في الآية الكريمة البركة الحسية والمعنوية، فأما الحسية فهي ما أنعم الله تعالى به على تلك البقاع من الثمار والزروع والأنهار، وأما المعنوية فهي ما اشتملت عليه من جوانب روحية ودينية؛ حيث كانت مهبط الصالحين والأنبياء والمرسلين ومسرى خاتم النبيين، وقد دُفن حول المسجد الأقصى كثير من الأنبياء والصالحين.

والمسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”، ومعنى هذا الحديث أنه لا يسافر أحد لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه المساجد الثلاثة، لا أنه لا يسافر أصلاً إلا لها، وقد بني المسجد الأقصى بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: قلت:يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: “المسجد الحرام”، قلت: ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى”، قلت: كم كان بينهما؟ قال: “أربعون سنة، وأينما أدركت الصلاة فصل فهو مسجد”.

وللمسجد الأقصى مكانته الجليلة في الإسلام، فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- ومما يدل على فضل بيت المقدس ومكانته أنه أرض المحشر والمنشر، وعن ميمونة مولاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: قلت: يا رسول الله أفتِنا في بيت المقدس؟ قال: “أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه؛ فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره”، وعن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “من أراد أن ينظر إلى بقعة من الجنة فلينظر إلى بيت المقدس”.

وفي مدينة القدس دُفن عدد كبير من الصحابة والتابعين، منهم الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس- رضي الله عنهما- فهو مهد النبوات والشرائع والرسل، الذين وُجدوا هناك في هذا العصر، ولقد كان المسجد الأقصى قبلةً لهم، وهذا كله يمثل البركة الدينية التي أحاطت به، وأما البركة الدنيوية فكثرة الأشجار والأنهار وطيب الأرض، وروي أن الذي أسس المسجد الأقصى هو يعقوب بن إسحاق- عليهما السلام- بعد بناء إبراهيم الكعبة، وقد قام سليمان- عليه السلام- بتجديده، وقد أشكل ذلك؛ لأن باني البيت الحرام إبراهيم- عليه السلام- وباني المسجد الأقصى داود وابنه سليمان بعده، وبينهما مدة طويلة تزيد على الأربعين التي ذكرت في الحديث المروي في الصحيحين عن أبي ذر- رضي الله عنه- وأجاب عن هذا الإشكال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار بأن الوضع غير البناء، والسؤال في الحديث السابق عن مدة ما بين وضعهما، لا عن مدة ما بين بنائهما، فيحتمل أن يكون واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان، ثم بنياه بعد ذلك.

وللمسجد الأقصى ارتباط وثيق بعقيدتنا، وله ذكريات عزيزة وغالية على الإسلام والمسلمين، فهو مقر للعبادة ومهبط للوحي، ومنتهى رحلة الإسراء، وبداية رحلة المعراج، وقد مرَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- في رحلته إلى المسجد الأقصى بالبقعة المباركة التي كلم الله فيها موسى- عليه السلام- وهي طور سيناء، فصلى بها ركعتين، ومرَّ بالبقعة المباركة التي وُلِد فيها عيسى- عليه السلام- وهي بيت لحم، فصلى بها ركعتين، ثم وصل إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في جمعٍ من الأنبياء والرسل، فصلى بهم جميعًا، ثم عُرج به إلى السماء، فرأى من آيات ربه الكبرى، ولما عاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من هذا الرحلة المباركة وأخبر قومه كان منهم من صدَّق ومنهم من كذب، وذهب بعضهم إلى أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- وأخبروه، فما كان جوابه إلا أن قال لهم “والله لئن كان قاله لقد صدق” قالوا: تصدقه على ذلك؟ قال: إني أصدقه على أبعد من ذلك أصدقه على خبر السماء.

وقد تمادى القوم في لجاجهم وحوارهم يسألون الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تعنت عن بيت المقدس، ومنه من كان قد رآه وظنوا أنهم بهذه الأسئلة سيوقعون الرسول- صلى الله عليه وسلم- في حرج، ولكنه- وهو المؤيد من قبل ربه- وصف لهم بيت المقدس وصفًا كاملاً في غاية الدقة، وأخبرهم عن آياته.. يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- فجعلت أخبرهم عن آياته، فالتبس عليَّ بعض الشيء، فجلَّى الله لي بيت المقدس، ثم جعلت أنظر إليه دون دار عقيل وأنعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، وكان أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- كلما وصف لهم الرسول- صلى الله وعليه وسلم- وصفًا يقول صدقت أشهد أنك رسول الله.

ثم أخبرهم عن عيرهم وعن أحمالها وعن دقائق الملابسات ووصفها أكمل وصف، وقال لهم تقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس وفيها فلان وفلان، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان محيطتان، ومع وضوح الأدلة فقد لجَّ القوم في عنادهم، ولم يصدقوا تلك المعجزة الواضحة، فقد طمس الله على أبصارهم وبصائرهم، وفي رحلة الإسراء والمعراج فرض الله- سبحانه وتعالى- الصلاة، وهي الصلة القوية بين العبد وربه، وكانت القبلة آنذاك هي صخرة بيت المقدس.

المصدر: إخوان أونلين

Leave A Reply

Your email address will not be published.